يحيى بن معاذ الرازي

80

جواهر التصوف

الباب التاسع الورع 110 - قال شيخنا يحيى بن معاذ رحمه الله : « الورع : الوقوف عند حدّ العلم من غير تأويل ولا قياس . » [ الرسالة : 90 ] * إذا كانت التّقوى هي الإقبال على الطاعات وترك المحرمات ، فإن الورع يزيد عنها الوقوف عند الشبهات ، والكفّ عن المباحات ، والاقتصار على الضرورات . * التأويل : التفسير وردّ الكلام إلى الغاية المقصودة منه . القياس لغة : تقدير الشئ بشئ آخر ، واصطلاحا عند الأصوليين : هو إلحاق أمر لم يرد حكمه في الكتاب والسّنّة أو الإجماع ، بأمر ورد حكمه في أحدهما ، وذلك لاشتراكهما في علّة الحكم ، فمثلا لا يورّث الأصوليون قاتل من أوصى له بشئ . . ولم يرد في ذلك حكم في الكتاب أو السنة أو الإجماع ؛ ولكنهم قاسوا ذلك على حرمان قاتل مورّثه من الميراث للحديث الشريف « لا يوّرث القاتل » والعلّة في ذلك اشتراكهما في استعجال الميراث بقتل المورث أو الموصى . واتفق جمهور الفقهاء على أن القياس أصل من أصول التشريع ، ودليل على الأحكام الشرعية العملية ، واعترض عليه النّظّام والظاهرية وبعض الشيعة ، وقالوا : إنه ليس بحجّة . * وعبارة شيخنا ابن معاذ هل تعكس اتجاها شيعيا يعتقده في هذه النقطة ؟ اللّه أعلم ، أم أن القصد منها أن الورع لا يتأول ولا يبحث عن فتاوى في الأمور المشتبهات والتي لم يأت فيها نصّ واضح ، وهو ما نرجّحه . . قال ابن سيرين وهو من شيوخ التابعين : « ليس شئ أهون علىّ من الورع ؛ إذا رابني شئ تركته » . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » ( صحيح ) ومن حديث النعمان بن بشير يرفعه : « إنّ الحلال بيّن وإنّ الحرام بيّن ، وبينهما مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، ألا وإنّ لكلّ ملك حمى ، ألا وإنّ حمى اللّه محارمه ، ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه ، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ، ألا وهي القلب ( رياض الصالحين ) . . ومن حديث عطية السعدي يرفعه : « لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس » وروى عن الصحابة رضوان اللّه عليهم أنهم كانوا يتركون سبعين بابا من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام ، وقيل للنصرباذى : إن بعض الناس يجالسون النّسوان ، ويقول أنا